أحمد بن علي القلقشندي

14

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المعقود معه الهدنة كافرا . وإن شرط له مالا عند ضعف المسلمين للضرّورة أتى في كلامه بما يقتضي أنّ ذلك رغبة في الصّلح المأمور به ، لا عن خور طباع وضعف قوّة ؛ إذ اللَّه تعالى يقول : * ( فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ والله مَعَكُمْ ) * ( 1 ) . ومنها - أن يتحفظ من سقط يدخل على الشريعة نقيصة ، إن كانت المهادنة مع أهل الكفر ، أو يجرّ إلى سلطانه وهيصة ( 2 ) ، إن كانت بين مسلمين ؛ ويتحذّر كلّ الحذر من خلل يتطرّق إليه : من إهمال شيء من الشروط ، أو ذكر شرط فيه خلل على الإسلام أو ضرر على السلطان ، أو ذكر لفظ مشترك أو معنى ملتبس يوقع شبهة توجب السبيل إلى التأوّل ، وأن يأخذ المأخذ الواضح الذي لا تتوجّه عليه معارضة ، ولا تتطرّق إليه مناقضة ، ولا يدخله تأويل . ومنها - أن يبيّن أن الهدنة وقعت بعد استخارة اللَّه تعالى وتروية النّظر في ذلك وظهور الخير فيه ، ومشاورة ذوي الرّأي وأهل الحجى ، وموافقتهم على ذلك . ومنها - أن يبيّن مدّة الهدنة . فقد تقدّم أن الصّحيح من مذهب الشافعي أنه إذا لم تبيّن المدّة في مهادنة أهل الكفر فسدت الهدنة . قال في « التعريف » : وقد جرت العادة أن يحسبوها مدّة سنين شمسيّة فيحرّر حسابها بالقمريّة . ويذكر سنين وأشهرا وأيّاما وساعات حتّى يستوفي السنين الشّمسية المهادن عليها . أما في عقد الصّلح بين مسلمين فإنه لا يشترط ذلك ، بل ربّما قالوا : إن ذلك صار لازما للأبد ، حتّى في الولد وولد الولد .

--> ( 1 ) محمد / 35 . ( 2 ) أي ما يغمز منه ويحطَّ من قدره . يقال : من تواضع رفع اللَّه حكمته ومن تكبّر وعدا طوره ، وهصه اللَّه إلى الأرض . ( انظر اللسان : مادة وه ص ) .